فصل: تفسير الآية رقم (1)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏الذى عَلَّمَكُمُ بالقلم‏}‏ أي علم ما علم بواسطة القلم لا لغرض فهو صفة لا يشاركه تعالى في إطلاقها أحد فافعل للمبالغة وجوز أن لا يكون ‏{‏اقرأ‏}‏ هذا تأكيداً للأول وإنما ذكر ليوصل به ما يزيح العذر فجملة ‏{‏وَرَبُّكَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 3‏]‏ الخ في موضع الحال من الضمير المستتر فيه وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ بدل اشتمال من ‏{‏علم بالقلم‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 4‏]‏ أي علمه به وبدونه من الأمور الكلية والجزئية والجلية والخفية ما لم يخطر بباله وفي حذف المفعول أولاً وإيراده بعنوان عدم المعلومية ثانياً من الدلالة على كمال قدرته تعالى وكما لكرمه عز وجل والإشعار بأنه تعالى يعلمه عليه الصلاة والسلام من العلوم ما لا يحيط به العقول ما لا يخفى قاله في «الإرشاد» وقدر بعضهم مفعول علم الخط وجعل بالقلم متعلقاً به وأيد بقراءة ابن الزبير الذي علم الخط بالقلم حيث صرح فيها بذلك وقال الجبائي أن ‏{‏اقرأ‏}‏ الأول أمر بالقراءة لنفسه وقيل مطلقاً والثاني أمر بالقراءة للتبليغ وقيل في الصلاة المشار إليها فيما بعد وجملة ‏{‏وَرَبُّكَ‏}‏ الخ تحتمل الحالية والاستئنافية وحاصل المعنى على إرادة القراءة للتبلغي في قول بلغ قوملك ‏{‏وَرَبُّكَ الاكرم‏}‏ الذي يثيبك على عملك بما يقتضيه كرمه ويقويك على حفظ القرآن لتبلغه وأولى الأوجه وأظهرها التأكيد وأبعد بعضهم جداً فزعم أن بسم في البسملة متعلق باقرأ الأول و‏{‏باسم رَبّكَ‏}‏ متعلق باقرأ الثاني ليفيد التقديم اختصاص اسم الله تعالى بالابتداء وجوز أيضاً أن يبقى باسم الله على ما هو المشهور فيه و‏{‏اقرأ‏}‏ أمر باحداث القراءة ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ‏}‏ متعلق باقرأ الثاني لذلك ولا يخفى أن الظاهر تعلق ‏{‏باسم رَبّكَ‏}‏ بما عنده وتقديم الفعل ههنا أوقع لأن السورة المذكورة على ما سبق من التصحيح أول سورة نزلت فالقراءة فيها أهم نظراً للمقام وقيل أنه لو سلم كون غيرها نازلاً قبلها لا يضر في حسن تقديم الفعل لأن المعنى كما سمعت عن قتادة اقرأ مفتتحاً ‏{‏باسم رَبّكَ‏}‏ أي قل ‏{‏باسم الله‏}‏ ثم اقرأ فلو افتتح بغير البسملة لم يكن ممتثلاً فضلاً عن أن يفتتح بما يضادها من أسماء الأصنام ولو قدم الجار أفاد معنى آخر وهو أن المطلوب عند القراءة أن يكون الافتتاح باسم الله تعالى لا باسم الأصنام ولا تكون القراءة في نفسها مطلوبة لما علم أن مقتضى التقديم أن يكون أصل الفعل مسلماً على ما هو عليه من زمان طلباً كان أو خبراً وأجاب من علق الجار بالثاني بأن مطلوبية القراءة في نفسها استفيدت من اقرأ الأول فلا تغفل والظاهر أن المعلم بالقلم غير معين وقيل هو كل نبي كتب وقال الضحاك هو إدريس عليه السلام وهو من خط وقال كعب هو آدم عليه السلام وهو أول من كتب وقد نسبوا لآدم وإدريس عليهما السلام نقوشاً مخصوصة في كتابة حروف الهجاء والذي يغلب على الظن عدم صحة ذلك وقد أدمج سبحانه وتعالى التنبيه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة ونيل الرتب الفخيمة ولولاه لم يقم دين ولم يصلح عيش ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى ولطيف تدبيره سبحانه دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به وقد قيل فيه‏:‏

لعاب الأفاعي القاتلات لعباه *** وأرى الجني اشتارته أيد عواسل

ومما نسبه الزمخشري في ذلك لبعضهم وعنى على ما قيل نفسه‏:‏

ورواقم رقش كمثل إراقم *** قطف الخطى نيالة أقصى المدى

سود القوائم ما يجد مسيرها *** إلا إذا لعبت بها بيض المدى

ولهم في هذا الباب كلام فصل يضيق عنه الكتاب وظاهر الآثار أن الكتابة في الأمم غير العرب قديمة وفهيم حادثة لا سيما في أهل الحجاز وذكر غير واحد أن الكتابة نقلت إليهم من أهل الحيرة وأنهم أخذوها من أهل الأنبار وذكر الكلبي والهيثم بن عدي أن الناقل للخط العربي من العراق إلى الحجاز حرب بن أمية وكان قد قدم الحيرة فعاد إلى مكة به وأنه قيل لابنه أبي سفيان ممن أخذ أبوك هذا الخط فقال من أسلم بن أسدرة وقال سألت أسلم ممن أخذت هذا الخط فقال من واضعه مرامر بن مرة وقيل كان لحمير كتابة يسمونها المسند منفصلة غير متصلة وكان لها شان عندهم فلا يتعاطاها إلا من أذن له في تعلمها وأصناف الكتابة كثيرة وزعم بعضهم أن جل كتابات الأمم اثنا عشر صنفاً العربية والحميرية والفارسية والعبرانية واليونانية والرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية والسريانية ولعل هذا إن صح باعتبار الأصول وإلا فالفروع توشك أن لا يحصيها قلم كما لا يخفى والله تعالى أعلم ولم ير بعض العلماء من الأدب وصف غيره تعالى بالأكرم كما يفعله كثير من الناس في رسائلهم فيكتبون إلى فلان الأكرم ومع هذا يعدونه وصفاً نازلاً ويستهجنونه بالنسبة للملوك ونحوهم من الأكابر وقد يصفون به اليهودي والنصراني ونحوهما مع أنه تعالى يقول ‏{‏وربك الأكرم‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 3‏]‏ فعلى العبد أن يراعي الأدب مع مولاه شاكراً كرمه الذي أولاه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏6‏]‏

‏{‏كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ‏(‏6‏)‏‏}‏

‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع لمن كفر من جنس الإنسان بنعمة الله تعالى عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه وذلك لأن مفتتح السورة إلى هذا المقطع يدل على عظيم منته تعالى على الإنسان فإذا قيل كلا كان ردعاً للإنسان الذي قابل تلك النعم لجلائل بالكفران والطغيان وكذلك التعليل بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الإنسان ليطغى‏}‏ أي ليتجاوز والحد في المعصية واتباع هوى النفس ويستكبر على ربه عز وجل وقال الكلبي أي ليرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس والعطام وغيرهما وليس بذاك وقدر بعضهم بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا لَمْ يَعْلَمْ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 5‏]‏ ليشكر تلك النعم الجليلة فطغى وكفر كلا وقيل كلا بمعنى حقاً لعدم ما يتوجه إليه الردع والزجر ظاهراً فقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الإنسان‏}‏ الخ بيان لما أريد إحقاقه وهذا إلى آخر السورة قيل نزل في أبي جهل بعد زمان من نزول الآيات السابقة وهو الظاهر ومع نزوله في ذلك اللعين المراد بالإنسان الجنس وقوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏أَن رَّءاهُ استغنى‏}‏ مفعول من أجله أي يطغى لأن رأى نفسه مستغنياً على أن جملة استغنى مفعول ثان لرأى لأنه بمعنى علم ولذلك ساغ كون فاعله ومفعوله ضميري واحد نحو علمتني فقد قالوا إن ذلك لا يكون في غير أفعال القلوب وفقد وعدم وذهب جماعة إلى أن رأي البصرية قد تعطى حكم القلبية في ذلك وجعلوا منه قول عائشة لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لنا طعام إلا الاسودان وأنشدوا‏:‏ ولقد أراني للرماح دريئة *** من عن يميني تارة وأمامي

فإذا جعلت رأي هنا بصرية فالجملة في موضع الحال وتعليل طغيانه برؤيته لا بنفس الاستغناء كما ينبىء عنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الارض‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 27‏]‏ للايذان بأن مدار طغيانه زعمه الفاسد على الأول ومجرد رؤيته ظاهر الحال من غير روية وتأمل في حقيقته على الثاني وعلى الوجهين المراد بالاستغناء الغني بالمال أعني مقابل الفقر المعروف وقيل المراد أن رأى نفسه مستغنياً عن ربه سبحانه بعشيرته وأمواله وقوته وهو خلاف الظاهر ويبعده ظاهر ما روى أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتزعم أن من استغنى طغى فاجعل لنا جبال مكة ذهباً وفضة لعلنا نأخذ منها فنطغى فندع ديننا ونتبع دينك فنزل جبريل عليه السلام فقال إن شئت فعلنا ذلك ثم إن لم يؤمنوا فعلنا بهم ما فعلنا بأصحاب المائدة فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء ابقاء عليهم وقرأ قنبل بخلاف عنه أن رأه بحذف الألف التي بعد الهمزة وهي لام الفعل وروى ذلك عنه ابن مجاهد وغلطه فيه وقال إن ذلك حذف لا يجوز وفي «البحر» ينبغي أن لا يغلطه بل يتطلب له وجهاً وقد حذفت الألف في نحو من هذا قال‏:‏ وصاني العجاج فيمن وصني *** يريد وصاني فحذف الألف وهي لام الفعل وقد حذفت في مضارع رأى في قولهم أصاب الناس جهد لوتر أهل مكة وهو حذف لا ينقاس لكن إذا صحت الرواية وجب القبول فالقراآت جاءت على لغة العرب قياسها وشاذها وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى‏}‏ تهديد للطاغي وتحذير له من عاقبة الطغيان والخطاب قيل للإنسان والالتفات للتشديد في التهديد وجوز أن يكون الخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم والمراد أيضاً تهديد الطاغي وتحذيره ولعله الأظهر نظراً إلى الخطابات قبله والرجعى مصدر بمعنى الرجوع كالبشرى والألف فيها للتأنيث وتقديم الجار والمجرور عليه للقصر أي أن إلى ربك رجوع الكل بالموت والبعث لا إلى غيره سبحانه استقلالاً أو اشتراكاً فترى حينئذ عاقبة الطغيان وفي هذه الآيات على ما قيل ادماج التنبيه على مذمة المال كما أن في الآيات الأول إدماج التنبيه على مدح العلم وكفى ذلك مرغباً في الدين والعلم ومنفراً عن الدنيا والمال وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏9 - 10‏]‏

‏{‏أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ‏(‏9‏)‏ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى عَبْداً إِذَا صلى‏}‏ ذكر لبعض آثار الطغيان ووعيد عليها ولم يختلف المفسرون كما قال ابن عطية في أن العبد المصلي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم والناهي هو اللعين أبو جهل فقد أخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة أن أبا جهل حلف باللات والعزى لئن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ليطأن على رقبته وليعفرن وجهه فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يصلي ليفعل فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له مالك فقال إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً وأنزل الله تعالى ‏{‏كلا أن الإنسان‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 6‏]‏ إلى آخر السورة وقول الحسن هو أمية بن خلف كان ينهى سلمان عن الصلاة لا يكاد يصح لأنه لا خلاف في أن إسلام سلمان رضي الله تعالى عنه كان بالمدينة بعد الهجرة كما أنه لا خلاف في أن السورة مكية نعم حكم الآية عام فإن كان ما حكي عن أمية واقعاً فحكمها شامل له والصلاة التي أشارت إليها الآية كانت على ما حكى أبو حيان صلاة الظهر وحكي أيضاً أنها كانت تصلي جماعة وهي أول جماعة أقيمت في الإسلام وأنه كان معه عليه الصلاة والسلام أبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما فمر أبو طالب ومعه ابنه جعفر فقال له يا بني صل جناح ابن عمك وانصرف مسروراً وأنشأ يقول‏:‏

إن علياً وجعفراً ثقتي *** عند ملم الزمال والكرب

والله لا أخذ النبي ولا *** يخذله من يكون من حسبي

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من بينهم وأبي

وفي هذا نظر لأن الصلاة فرضت ليلة الإسراء بلا خلاف وادعى ابن حزم الإجماع على أنه كان قبل الهجرة بسنة وجزم ابن فارس بأنه كان قبلها بسنة وثلاثة أشهر وقال السدي بسنة وخمسة أشهر وموت أبي طالب كان قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين لأنه كان قبل وفاة خديجة بثلاثة وقيل بخمسة أيام وكانت وفاتها بعد البعثة بعشر سنين على الصحيح فأبو طالب على هذا لم يدرك فرضية الصلاة نعم حكى القاضي عياض عن الزهري ورجحه النووي والقرطبي أن الإسراء كان بعد البعث بخمس سنين لكن قيل عليه ما قيل فليراجع والنهي قيل بمعنى المنع وعبر به إشارة إلى عدم اقتدار اللعين على غير ذلك وفي بعض الأخبار ما ظاهره أنه حصل منه نهي لفظي فقد أخرج أحمد والترمذي وصححه وغيرهما عن ابن عباس قال «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فجاء أبو جهل فقال ألم أنهك عن هذا ألم أنهك عن هذا» الحديث والتعبير بما يفيد الاستقبال لاستحضار الصورة الماضية لنوع غرابة والرؤية قيل قلبية وكذا في قوله تعالى‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏11 - 13‏]‏

‏{‏أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ‏(‏11‏)‏ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ‏(‏12‏)‏ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى‏}‏ والمفعول الأول للأول الموصول وللثاني والثالث محذوف وهو ضمير يعود عليه أو اسم إشارة يشار به إليه والمفعول الثاني للثالث قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى‏}‏ والأولان متوجهان إليه أيضاً وهو مقدر عندهما وترك إظهاره اختصاراً ونظير ذلك أخبرني عن زيدان وفدت عليه أخبرني عنه أن استخبرته أخبرني عنه إن توسلت إليه اما يوجب حقي وليس ذلك من التنازع لأن الجمل لا يصح إضمارها وإنما هو من الطلب المعنوي والحذف في غير التنازع وجواب الشرط في الجملتين محذوف لدلالة ألم يعلم عليه ويقدر حسبما تقتضيه الصناعة وقيل يدل عليه أرأيت مراداً به ما سيذكر قريباً إن شاء الله تعالى ويقدر كذلك والكلام عليه أيضاً نظير ما مر آنفاً والضمائر المستترة في ‏{‏كان‏}‏ وما بعد من الأفعال للناهي والمراد من أرأيت أخبرني فإن الرؤية لما كانت سبباً للعلم أجري الاستفهام عنها مجرى الاستخبار عن متعلقها والاستفهام الواقع موقع المفعول الثاني هو متعلق الاستخبار هنا وهذا الإجراء على ما يفهم من كلام بعض الأئمة يكون مع الرؤية البصرية والرؤية القلبية وللنحاة فيه قولان والخطاب في الكل على ما اختاره جمع لكل من يصلح أن يكون مخاطباً ممن له مسكة وقيل للإنسان كالخطاب في ‏{‏إلى ربك‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 8‏]‏ وتنوين ‏{‏عبداً‏}‏ على ما هو ظاهر كلام البعض للتنكير وتقييد النهي بالظرف يشعر بأن النهي عن الصلاة حال التلبس بها وفصل بين الجمل للاعتناء بأمر التشنيع والوعيد حيث أشعر أن كل جملة مقصودة على حيالها فشنع سبحانه على الناهي أولاً بنهيه عن الصلاة وأوعد عليه مطلقاً بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ الذى‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 9‏]‏ الخ أي أخبرني يا من له أدنى تمييز أو أيها الإنسان عمن ينهى عن الصلاة بعض عباد الله تعالى ألم يعلم بأن الله تعالى يرى ويطلع فيجازيه على ذلك النهي وشنع سبحانه عليه ثانياً بنهيه عن ذلك وأوعده عليه أيضاً على تقدير أنه على زعمه على هدى ورشد في نفس النهي أو أنه أمر بواسطته بالتقوى لأن النهي عن الشيء أمر بضده أو مستلزم له فقال تعالى شأنه‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَانَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 11‏]‏ الخ أي أخبرني عن ذلك الناهي ألم يعلم أن الله يطلع فيجازيه إن كان على هدى ورشد في نفس النهي أو كان أمراً بواسطته بالتقوى كما يزعم وشنع جل شأنه عليه ثالثاً بذلك وأوعده عليه أيضاً على تقدير أنه في نفس الأمر وفيما يقوله تعالى مكذباً بحقية الصلاة متولياً عنها معرضاً عن فعلها بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ‏}‏ ‏[‏العلق‏:‏ 13‏]‏ الخ أي أخبرني عن ذلك الناهي ألم يعلم بأن الله تعالى يطلع على أحواله إن كذب بحقية ما نهى عنه وأعرض عن فعله على ما نقول نحن والحاصل أنه تعالى شنع وأوعد على النهي عن الصلاة بدون تعرض لحال الناهي الزعمي أو الحقيقي ثم شنع وأوعد جل وعلا عليه مع التعرض لحاله الزعمي ثم شنع عز وجل وأوعد عليه مع التعرض لحاله الحقيقي وهذا كالترقي في التشنيع والجمهور على عدم تقييد ما في حيز الشرطيتين بما ذكرنا حيث قالوا إن كان على طريقة سديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى أو كان أمراً بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يزعم وأكان مكذباً للحق ومتولياً عن الصواب كما نقول وذكر أن الشرط الثاني تكرار للأول لأن معنى الأول أنه ليس على الهدى وأوضح بأن إدخال حرف الشرط في الأول لإرخاء العنان صورة والتهكم حقيقة إذ لا يكون في النهي عن عبادته تعالى والأمر بعبادة الأصنام هدى البتة وفي الثاني لذلك والتهكم على عكس الأول إذ لا شك أنه مكذب متول فما لهما إلى واحد وقيل إن الرؤية في الجملة الأولى بصرية فلا تحتاج إلى مفعول ثان وفي الثانية والثالثة قلبية والمفعول الأول على ما تقدم والمفعول الثاني سد مسده الجملة الشرطية بجوابها وهو في الأخيرة ‏{‏أَلَمْ يَعْلَم‏}‏ الخ المذكور وفيما قبلها محذوف دل هو عليه ولم تعطف الأخيرة على ما قبلها للإيذان باستقلالها بالوقوع في نفس الأمر وباستتباع الوعيد الذي ينطق به الجواب وأما ما قبلها فأمر الشرط فيه ليس إلا لتوسيع الدائرة وهو السر في تجريده عن الجواب والإحالة به على جواب الشرطية بعده والخطاب في الكل لمن يصلح له والتنوين في عبداً لتفخيمه عليه الصلاة والسلام واستعظام النهي وتأكيد التعجيب منه والمعنى أخبرني عن ذلك الناهي إن كان على الهدى فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى الخ ما ذكر آنفاً ألم يعلم أن الله يرى ويطلع على أحواله فيجازيه بها حتى اجترأ على ما فعل وقيل إن أرأيت في الجمل الثلاث من الرؤية القلبية والمفعول الأول للأولى الموصول ومفعولها الثاني الجملة الشرطية الأولى بجوابها المحذوف اكتفاءً عنه بجواب الشرطية الثانية إذ علم من ضرورة التقابل وأرأيت الثانية تكراراً للأولى وأرأيت الثالثة ومفعولها الأول محذوف للقرينة مستقلة لأنها تقابل الأولى للتقابل بين الشرطين يعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن كَانَ‏}‏ الخ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَن كَذَّبَ‏}‏ الخ وفي الإتيان بالجملة الأخيرة من دون العطف ترشيح للكلام المبكت وتنبيه على حقية الشرط ولهذا صرح بجوابه ليتمحض وعيداً والخطاب على ما تقدم أولاً والكلام من قبيل الكلام المنصف وإرخاءً لعنان ولذا قيل عبداً ولم يقل نبياً مجتبى فكأنه قيل أخبرني يا من له أدنى تمييز عن حال هذا الذي ينهى بعض عباد الله تعالى فضلاً عن النبي المجتبى عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى أو كان آمراً بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأصنام كما يزعم وكذلك إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين الصحيح كما تقول‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَم‏}‏ الخ وقيل أرأيت في الجملتين الثانية والثالثة تكرار للأولى والشرطيتان بجوابهما سادتان مسد المفعول الثاني للأولى و‏{‏أَلَمْ يَعْلَم‏}‏ الخ جواب الشرط الثاني وجواب الأول محذوف لدلالته عليه ولم يقل أو ‏{‏أَن كَذَّبَ‏}‏ الخ لأنه ليس بقسيم لما قبله على ما قيل والمعنى على نحو ما سمعت وأورد على جميع هذه الأقوال إن في تجويز الإتيان بالاستفهام في جزاء الشرط من غير الفاء وإن صرح له الزمخشري في كشافه وارتضاه الرضي واستشهد له بقوله تعالى‏:‏

‏{‏قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 47‏]‏ بحثاً لأن ظاهر نقل الزمخشري نفسه في المفصل ونقل غيره وجوب الفاء إذا كان الجزاء جملة إنشائية والاستفهام وإن لم يبق على الحقيقة لم يخرج على ما في «الكشف» من الإنشاء وقال أبو حيان إن وقوع جملة الاستفهام جواباً للشرط بغير فاء لا أعلم أحد أجازه بل نصوا على وجوب الفاء في كل ما اقتضى طلباً بوجه ما ولا يجوز حذفها إلا في ضرورة أو شعر وقال الدماميني في شرح التسهيل إن جعل هل يهلك جزاء مشكل لعدم اقترانه بالفاء والاقتران بها في مثل ذلك واجب واعترض أيضاً جعل الجملة الشرطية في موضع المفعول الثاني لا رأيت بأن مفعولها الثاني لا يكون إلا جملة استفهامية كمانص عليه أبو حيان وجماعة أو قسمية كما في «الإرشاد» وقال الخفاجي إن جعل الشرطية في موقع المفعول والجملة الاستفهامية في موقع جواب الشرط إما على ظاهره أو على أنهما لدلالتهما على ذلك جعلا كأنهما كذلك لسدهما مسد المفعول والجواب وبما ذكر صرح الرضي والدماميني في شرح التسهيل في باب اسم الإشارة فما قيل من أن المفعول الثاني لا رأيت لا يكون إلا جملة استفهامية مخالف لما صرحوا بأنه مختار سيبويه فلا يلتفت إليه ولم يجعلوا فيما ذكر الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولا للكافر الناهي لأن السياق مقتض لخروج الناهي والمنهي عن مورد الخطاب واستظهر في «البحر» جعله للنبي صلى الله عليه وسلم وجوز غيره جعله للكافر والمراد تصوير الحال بعنوان كلي وهو كما ترى وقيل الضميران في أن كان وأمر للعبد المصلي والضمائر في كذب وتولى ويعلم للذي ينهى وحاصل المعنى على ما قال الفراء أرأيت الذي ينهى عبداً يصلي والمنهي على الهدى وأمر بالتقوى والناهي مكذب متول فما أعجب من ذا والظاهر أن جواب الشرط عليه محذوف وهو فما أعجب من ذا بقرينة أرأيت فإنه يفيد التعجب والرؤية فيه قيل علمية والمفعول الثاني محذوف نحو هذا الجواب وقيل بصرية و‏{‏أَلَمْ يَعْلَم‏}‏ الخ جملة مستأنفة لتقرير ما قبلها وتأكيده وأو تقسيمية بمعنى الواو وقيل الخطاب في أرأيت الثانية للكافر وفي الثانية للنبي صلى الله عليه وسلم فهو عز وجل كالحاكم الذي حضر الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى وكأنه سبحانه قال يا كافر أخبرني إن كانت صلاته هدى ودعاؤه إلى الله تعالى أمر بالتقوى أتنهاه وأخبرني أيها الرسول إن كان الناهي مكذباً بالحق متولياً عن الدين الصحيح ألم يعلم بأن الله تعالى يجازيه وسكت هذا القائل عن الخطاب في أرأيت الأول فقيل لكل من يصلح له وقيل للإنسان وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم كالخطاب في الثالث وقوله أتنهاه يحتمل أنه جعله مفعولاً لرأيت ويحتمل أنه جواب الشرط وأو كما في سابقه ولعل ذكر الأمر بالتقوى في الجملة الثانية لأن النهي على ما قيل كان عن الصلاة والأمر بها وكان الظاهر عليه أن يذكر في الجملة الأولى أيضاً بأن يقال أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى أو أمر بالتقوى لكنه حذف اكتفاء بذكره في الثانية واقتصر على ذكر الصلاة ولم يعكس لأن الأمر بالتقوى دعوة قولية والصلاة دعوة فعلية والفعل أقوى من القول وإنما كانت دعوة وأمراً لأن المقتدى به إذا فعل فعلاً كان في قوة قوله افعلوا هذا وقيل المذكور أولاً ليس النهي عن الصلاة بل النهي حين الصلاة وهو محتمل أن يكون لها أو لغيرها وعامة أحوال الصلاة لما انحصرت في تكميل أنفس المصلي بالعبادة وتكميل غيره بالدعوة فنهيه في تلك الحالة يكون عن الصلاة والدعوة معاً فلذا ذكر في الجملة الثانية انتهى فلا تغفل وجوز الإمام كون الخطاب في الكل له عليه الصلاة والسلام وقال في بيان معنى ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَانَ‏}‏ الخ أرأيت إن صار على الهدى واشتغل بأمر نفسه أما كان يليق به ذلك إذ هو رجل عاقل ذو ثروة فلو اختار الرأي الصائب والاهتداء والأمر بالتقوى أما كان ذلك خيراً له من الكفر بالله تعالى والنهي عن خدمته سبحانه وطاعته عز وجل كأنه تعالى يقول تلهف عليه كيف فوت على نفسه المراتب العلية وقنع بالمراتب الردية واعتبر عصام الدين هذه الجملة توبيخاً على تفويت ما ينفع وما بعدها توبيخاً على كسب ما يضر فقال إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ الذى‏}‏ الخ استشهاد لطغيان الإنسان إن رآه مستغنياً والرؤية بمعنى الإبصار أي أشاهدت الذي ينهى عبداً إذا صلى وعرفت طغيان الإنسان المستغني وأنه لا يكفي بكفرانه ويتجاوز إلى تكليف العبد الذي أرسل للمنع عن الكفران بالكفران وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَانَ‏}‏ الخ توبيخ له على فوت ما لا يعلم كنهه بفوت الهدى والأمر بالتقوى يعني أعلمت أنه على أي فوز إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ‏}‏ الخ توبيخ له بما كسب من استحقاق العذاب والبعد عن رب الأرباب أي أعلمت أنه على أي عقوبة ومؤاخذة وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَم‏}‏ الخ تهديد ووعيد شديد بعد التوبيخ على كسب حال الشقي وفوت حال السعيد انتهى وهو كما ترى فتأمل جميع ما تقدم والله تعالى بمراده أعلم ثم إن الآية وإن نزلت في أبي جهل عليه اللعنة لكن كل من نهى عن الصلاة ومنع منها فهو شريكه في الوعيد ولا يلزم على ذلك المنع عن النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة والأوقات المكروهة لأن المنهي عنه في الحقيقة ليس عن الصلاة نفسها بل عن وصفها المقارن ولشدة الاحتياط تحاشي بعضهم عن النهي مطلقاً فروي عن أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه أنه رأى في المصلي أقواماً يصلون قبل صلاة العيد فقال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فقيل له رضي الله تعالى عنه ألا تنهاهم فقا لرضي الله تعالى عنه أخشي أن أدخل تحت وعيد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَرَأَيْتَ الذى ينهى عَبْداً إِذَا صلى‏}‏ وفي رواية لا أحب أن أنهي عبداً إذا صلى ولكن أحدثهم بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سلك نحو هذا المسلك أبو حنيفة عليه الرحمة فقد روي أن أبا يوسف قال له أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع اللهم اغفر لي فقال يقول ربنا لك الحمد ويسجد ولم يصرح بالنهي ويقاس على النهي عن الصلاة النهي عن غيرها من أنواع العبادة ولا فرق بين النهي القالي والنهي الحالي ومنه أن يشغل المرء المرء عن ذلك وقد ابتلي به كثير من الناس‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع للناهي اللعين وزجر له واللام في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ‏}‏ موطئة للقسم أي والله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر ‏{‏لَنَسْفَعاً بالناصية‏}‏ أي لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار يوم القيامة والسفع قال المبرد الجذب بشدة وسفع بناصية فرسه جذب قال عمرو بن معد يكرب‏:‏ قوم إذ كثر الصياح رأيتهم *** ما بين ملجم مهره أو سافع

وقال مؤرج السفع الأخذ بلغة قريش والناصية شعر الجبهة وتطلق على مكان الشعر وأل فيها للعهد واكتفى بها عن الإضافة وهو معنى كونها عوضاً عن المضاف إليه في مثله والكلام كناية عن سحبه إلى النار وقول أبي حيان أنه عبر بالناصية عن جميع الشخص لا يخفى ما فيه وقيل المراد لنسحبنه على وجهه في الدنيا يوم بدر وفيه بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى يجروه إن لم ينته وقد فعل عز وجل فقد روي أنه لما نزلت سورة الرحمن قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من يقرؤها على رؤساء قريش فقام ابن مسعود وقال‏:‏ أنا يا رسول الله فلم يأذن له عليه الصلاة والسلام لضعفه وصغر جثته حتى قالها ثلاثاً وفي كل مرة كان ابن مسعود يقول أنا يا رسول الله فأذن له صلى الله عليه وسلم فأتاهم وهم مجتمعون حول الكعبة فشرع في القراءة فقام أبو جهل فلطمه وشق أذنه وأدماه فرجع وعيناه تدمعان فنزل جبريل عليه السلام ضاحكاً فقال له صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال عليه السلام ستعلم فلما كان يوم بدر قال عليه الصلاة والسلام التمسوا أبا جهل في القتلى فرآه ابن مسعود مصروعاً يخور فارتقى على صدره ففتح عينه فعرفه فقال لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم فقال ابن مسعود‏:‏ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه فعالج قطع رأسه فقال اللعين دونك فاقطعه بسيفي فقطعه ولم يقدر على حمله فشق أذنه وجعل فيها خيطاً وجعل يجره حتى جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء جبريل عليه السلام يضحك ويقول يا رسول أذن بأذن والرأس زيادة» وكأن تخصيص الناصية بالذكر لأن اللعين كان شديد الاهتمام بترجيلها وتطييبها أو لأن السفع بها غاية الإذلال عند العرب إذ لا يكون إلا مع مزيد التمكن والاستيلاء ولأن عادتهم ذلك في البهائم وقرأ محبوب وهارون كلاهما عن أبي عمرو لنسفعن بالنون الشديدة وقرأ ابن مسعود لأسفعن كذلك مع إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم وحده وكتبت النون الخفيفة في قراءة الجمهور ألفاً اعتباراً بحال الوقف فإنه يوقف عليها بالألف تشبيهاً لها بالتنوين وقاعدة الكتابة مبنية على حال الوقف والابتداء ومن ذلك قوله‏:‏ ومهما تشأ منه فزارة تمنعا *** وقوله‏:‏ يحسبه الجاهل ما لم يعلما *** وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏نَاصِيَةٍ‏}‏ بدل من ‏{‏الناصية‏}‏ وجاز إبدالها عن المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت بقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كاذبة خَاطِئَةٍ‏}‏ فاستقلت بالإفادة وقد ذكر البصريون أنه يشترط لإبدال النكرة من المعرفة الإفادة لا غير ومذهب الكوفيين أنها تبدل منها شرطين اتحاد اللفظ ووصف النكرة وليشمل بظاهره كل ناصية هذه صفتها وهذا مما يتأتى على سائر المذاهب ووصف الناصية بما ذكر مع أنه صفة صاحبها للمبالغة حيث يدل على وصفه بالكذب والخطأ بطريق الأولى ويفيد أنه لشدة كذبه وخطئه كأن كل جزء من أجزائه يكذب ويخطأ وهو كقوله تعالى ‏{‏تصف ألسنتهم الكذب‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 62‏]‏ وقولهم وجهها يصف الجمال فالإسناد مجازي من إسناد ما للكل إلى الجزء وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وزيد بن علي ناصية كاذبة خاطئة بنصب الثلاثة على الشتم والكسائي في رواية يرفعها أي هي ناصية الخ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ‏}‏ النادي المجلس الذي ينتدي فيه القوم أي يجتمعون للحديث ويجمع على أندية والكلام على تقدير المضاف أي فليدع أهل ناديه أو الإسناد فيه مجازى أو أطلق اسم المحل على من حل فيه ومثله في هذا المجلس ونحوه كما قال جرير أو ذو الرمة‏:‏ لهم مجلس صهب السبال أذلة *** سواسية أحرارها وعبيدها

وقال زهير‏:‏ وفيهم مقامات حسان وجوههم *** وأندية ينتابها القول والفعل

وهذا إشارة إلى ما صح من أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فقال ألم أنهك فأغاظ عليه الصلاة والسلام له فقال أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً والأمر على ما في «البحر» للتعجيز والإشارة إلى أنه لا يقدر على شيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏سَنَدْعُ الزبانية‏}‏ أي ملائكة العذاب ليجروه إلى النار وهو في الأصل الشرط أي أعوان الولاة واختلف فيه فقيل جمع لا واحد له من لفظه كعباديد وقال أبو عبيد واحده زبنية بكسر فسكون كعفرية وقال الكسائي واحدة زبني بالكسر كأنه نسب إلى الزبن بالفتح وهو الدفع ثم غير للنسب وكسر أوله كأنسي وأصل الجمع زباني فقيل زبانية بحذف إحدى ياميه وتعويض التاء عنها وقال عيسى بن عمر والأخفش واحده زابن والعرب قد تطلق هذا الاسم على من اشتد بطشه وإن لم يكن من أعوان الولاة ومنه قوله‏:‏ مطاعم في القصوى مطاعين في الوغى *** زبانية غلب عظام حلومها

وسمى ملائكة العذاب بذلك لدفعهم من يعذبونه إلى النار وهذا الدعاء في الدنيا بناءً على ما روي من أنه لو دعا ناديه لأخذته الزبانية عياناً والظاهر أن سندع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم ورسم في المصاحف بدون واو لاتباع الرسم للفظ فإنها محذوفة فيه عن الوصل لالتقاء الساكنين أو لمشاكلة فليدع وقيل إنه مجزوم في جواب الأمر وفيه نظر وقرأ ابن أبي عبلة سيدعي الزبانية بالبناء للمفعول ورفع الزبانية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع لذلك اللعين بعد ردع وزجر له أثر زجر ‏{‏لاَ تُطِعْهُ‏}‏ أي دم على ما أنت عليه من معاصاته ‏{‏واسجد‏}‏ وواظب غير مكترث به على سجودك وهو على ظاهره أو مجاز عن الصلاة ‏{‏اقترب‏}‏ وتقرب بذلك إلى ربك وفي «صحيح مسلم» وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء وفي «الصحيح» وغيره أيضاً من حديث ثوبان مرفوعاً عليك بكثرة السجود فإنه لا تسجد لله تعالى سجدة إلا رفعك الله تعالى بها درجة وحط عنك بها خطيئة ولهذه الأخبار ونحوها ذهب غير واحد إلى أن السجود أفضل أركان الصلاة ومن الغريب أن العز بن عبد السلام من أجلة أئمة الشافعية قال بوجوب الدعاء فيه وفي «البحر» ثبت في «الصحيحين» أنه عليه الصلاة والسلام سجد في ‏{‏إذا السماء انشقت‏}‏ ‏[‏الانشقاق‏:‏ 1‏]‏ وفي هذه السورة وهي من العزائم عند علي كرم الله تعالى وجهه وكان مالك يسجد فيها في خاصة نفسه والله تعالى الموفق‏.‏

‏[‏سورة القدر‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏واقترب إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر‏}‏ الضمير عند الجمهور للقرآن وادعى الإمام فيه إجماع المفسرين وكأنه لم يعتد بقول من قال منهم برجوعه لجبريل عليه السلام أو غيره لضعفه قالوا في التعبير عنه بضمير الغائب مع عدم تقدم ذكره تعظيم له أي تعظيم لما أنه يشعر بأنه لعلو شأنه كأنه حاضر عند كل أحد فهو في قولة المذكور وكذا في إسناد إنزاله إلى نون العظمة مرتين وتأكيد الجملة وأشار الزمخشري إلى إفادة الجملة اختصاص الإنزال به سبحانه بناء على أنها من باب أنا سعيت في حاجتك مما قدم فيه الفاعل المعنوي على الفعل وتعقب بأن ما ذكروه في الضمير المنفصل دون المتصل كما في اسم أن هنا نعم الاختصاص يفهم من سياق الكلام وفيه أنهم لم يصرحوا باشتراط ما ذكر وكذا في تفخيم وقت إنزاله بقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر‏}‏ لما فيه من الدلالة على أن علوها خارج عن دائرة دراية الخلق لا يعلم ذلك ولا يعلم به إلا علام الغيوب كما يشعر به قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ‏}‏ فإن بيان إجمالي لشأنها أثر تشويقه عليه الصلاة والسلام إلى درايتها فإن ذلك معرب عن الوعد بإدرائها وعن سفيان بن عيينية أن كل ما في القرآن من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَا أَدْرَاكَ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 3‏]‏ أعلم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم وما فيه من قوله سبحانه ‏{‏وَمَا يُدْرِيكَ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 63‏]‏ لم يعلمه عز وجل به وقد مر بيان كيفية إعراب الجملتين وفي إظهار ليلة القدر في الموضعين من تأكيد التعظيم والتفخيم ما لا يخفى والمراد بإنزاله فيها إنزاله كله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا فقد صح عن ابن عباس أنه قال أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله تعالى ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في أر بعض وفي رواية بدل وكان بمواقع الخ ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة وفي رواية أخرى عنه أيضاً أنزل القرآن جملة واحدة حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا ونزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم وفي أخرى أنه أنزل في رمضان ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام وكون النزول بعد في عشرين سنة قول لهم وقال بعضهم وهو الأشهر في ثلاث وعشرين وقال آخر في خمس وعشرين وهذا للخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعث وقال الشعبي المراد ابتدأنا بإنزاله فيها والمشهور أن أول ما نزل من الآيات ‏{‏اقرأ‏}‏ وأنه كان نزولها بحراء نهاراً نعم في «البحر» روى أن نزول الملك في حراء كان في العشر الأواخر من رمضان فإن صح وكان المراد كان ليلاً فذاك وإلا فظاهر كلام الشعبي غير مستقيم اللهم إلا أن يقال أنه أراد ابتداء إنزاله إلى السماء الدنيا فيها ولا يلزم أن يتحد ذلك وابتداى إنزاله عليه صلى الله عليه وسلم في الزمان ثم أن في أنزلناه على ما ذكر تجوزاً في الإسناد لأنه أسند فيه ما للجزء إلى الكل أو مجازاً الطرف أو تضميناً وقي المراد إنزاله من اللوح إلى السماء الدنيا مفرقاً في ليالي قدر على أن المراد بليلة الجنس فقد قيل إن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين وكان ينزل في كل ليلة ما يقدر الله تعالى إنزاله في كل السنة ثم ينزله سبحانه منجماً في جميع السنة وهذا القول ذكره الإمام احتمالاً ونقله القرطبي كما قال ابن كثير عن مقاتل لكنه مما لا يعود عليه والصحيح المعتمد عليه كما قال ابن حجر في «شرح البخاري» أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا بل حكى بعضهم الإجماع عليه نعم لا يبعد القول بأن السفرة هناك نجموه لجبريل عليه السلام في الليالي المذكورة وأجاب السيد عيسى الصفوي بأنه لا محذور في ذلك بناء على جواز مثل أتكلم مخبراً به عن التكلم بقولك أتكلم وفي ذلك اختلاف بين الدواني وغيره ذكره في رسالته التي ألفها في الجواب عن مسألة الحذر الأصم أو يقال يرجع الضمير للقرآن باعتبار جملته وقطع النظر عن أجزائه فيخبره عن الجملة بأنا أنزلنا وإن كان من جملته إنا أنزلناه المندرج في حملته من غير نظير له بخصوصه وقد ذكروا أن الجزء من حيث هو مستقل مغاير له من حيث هو في ضمن الكل وفي الاتقان عن أبي شامة فإن قلت إنا أنزلنا إن لم يكن من جملة القرآن الذي نزل جملة فما نزل جملة وإن كان من الجملة فما وجه هذه العبارة قلت لها وجهان أحدهما أن يكون المعنى إنا حكمنا بإنزاله في ليلة القدر وقضينا به وقدرناه في الأزل والثاني أن لفظ أنزلناه ماض ومعناه على الاستقبال أي تنزله جملة في ليلة القدر انتهى ولم يظهر لي في كلا وجهيه رحمه الله تعالى شامة حسن فأجل في ذلك نظراً فلعلك ترى وقيل المعنى إنا أنزلناه في فضل ليلة القدر أو في شأنها وحقها فالكلام على تقدير مضاف أو الظرفية مجازية كما في قول عمر رضي الله تعالى عنه خشيت أن ينزل في قرآن وقول عائشة رضي الله تعالى عنها لأنا أحقر في نفسي من أن ينزل في قرآن وجعل بعضهم في في ذلك للسببية والضمير قيل للقرآن بالمعنى الدائر بين الكل والجزء وقيل بمعنى السورة ولا يأباه كون أنا أنزلناه فيها لما مر آنفاً فلا حاجة إلى أن يقال المراد بها ما عدا ‏{‏إِنَّا أنزلناه‏}‏ في ليلة القدر وقيل يجوز أن يراد به المجموع لاشتماله على ذلك وأياً ما كان فحمل الآية على هذا المعنى غير معول عليه وإنما المعول عليه ما تقدم والمراد بالإنزال إظهار القرآن من عالم الغيب إلى عالم الشهادة أو إثباته لدى السفرة هناك أو نحو ذلك مما لا يشكل نسبته إلى القرآن واختلفوا في تلك الليلة فقيل أنها رفعت لخبر في ذلك وهو كما قال الكرماني غلط لأن آخر الخبر يرده والمراد رفع تعيينها فيه وعكرمة أنها ليلة النصف من شعبان وهو قول شاذ غريب كما في «تحفة المحتاج» وظاهر ما هنا مع ظاهر قوله تعالى‏:‏

‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏ يرده وعن ابن مسعود أنها تنتقل في ليالي السنة فتكون في كل سنة في ليلة ونسبه النووي إلى أبي حنيفة وصاحبيه والأكثرون على أنها في شهر رمضان فعن ابن رزين أنها الليلة الأولى منه وعن الحسن البصري السابعة عشر لأن وقعة بدر كانت في صبيحتها وحكى عن زيد بن أرقم وابن مسعود أيضاً وعن أنس مرفوعاً التاسعة عشر وحكى موقوفاً على ابن مسعود أيضاً وعن محمد بن إسحق الحادية والعشرون لما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال

‏"‏ قد رأيت هذه الليلة يعني ليلة القدر ثم نسيتها وقد رأيتني أسجد من صبيحتها في ماء وطين قال أبو سعيد فمطرت السماء من تلك الليلة فوكف المسجد فأبصرت عيناي رسول الله وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين ‏"‏ وفي «مسلم» ‏"‏ من صبيحة ثلاث وعشرين ‏"‏ ومنه مع ما قبله مال الشافعي عليه الرحمة إلى أنها الليلة الحادية أو الثالثة والعشرون وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أنيس أنه سئل عن ليلة القدر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏ التمسوها الليلة ‏"‏ وتلك الليلة ليلة ثلاث وعشرين وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وغيرهم عن بلال قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ ليلة القدر ليلة أربع وعشرين ‏"‏ وفي الاتقان وغيره أنها الليلة التي أنزل فيها القرآن وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي ذر أنه سئل عن ليلة القدر فقال كان عمر وحذيفة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين وأخرج ابن نصر وابن جرير في تهذيبه عن معاوية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ التمسوا ليلة القدر في آخر ليلة من رمضان ‏"‏ وفي رواية أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً أنها آخر ليلة وقيل هي في العشر الأوسط تنتقل فيه وقيل في أوتاره وقيل في أشفاعه وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من شهر رمضان ‏"‏ وفي حديث أخرجه أحمد وجماعة عن عبادة بن الصامت مرفوعاً وحديثين أخرجهما ابن جرير وغيره عن جابر بن سمرة وعن عبد الله بن جابر كذلك ما يدل على ما ذكر أيضاً بل الأخبار الصحيحة الدالة عليه كثيرة وبالجملة الأقوال فيها مختلفة جداً إلا أن الأكثرين على أنها في العشر الأواخر لكثرة الأحاديث الصحيحة في ذلك وأكثرهم على أنها في أوتارها لذلك أيضاً وكثير منهم ذهب إلى أنها الليلة السابعة من تلك الأوتار وصح من رواية الإمام أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان وغيرهم أن زرد بن حبيش سأل أبي بن كعب عنها فحلف لا يستثنى أنها ليلة سبع وعشرين فقال له بم تقول ذلك يا أبا المنذر فقال بالآية والعلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها تصبح من ذلك اليوم تطلع الشمس ليس لها شعاع وبعض الأخبار عن ابن عباس ظاهرة في ذلك وفي بعضها الاستئناس له بما يدل على جلالة شأن السبعة التي قالوا فيها إنها عدد تام من كون السموات سبعاً والأرضين سبعاً والأيام سبعاً والجمار سبعاً والطواف بالبيت سبعاً والسجود على سبع إلى غير ذلك مما ذكره لما علمت من الأخبار الصحيحة المتظافرة وهو زمان ضعف البدن وفيه يزيد أجر العمل ووقت قوة الاستعداد للتجليات لمزيد التصفية وأنها في الأوتار أرجى للأحاديث أيضاً مع أن الله تعالى وتر يحب الوتر وقال ابن حجر الهيثمي اختار جمع أنها لا تلزم ليلة بعينها من العشر الأواخر بل تنتقل في لياليه فعاماً أو أعواماً تكون وتراً إحدى أو ثلاثاً أو غيرهما وعاماً أو أعواماً تكون شفعاً اثنتين أو أربعاً أو غيرهما قالوا ولا تجتمع الأحاديث المتعارضة فيها إلا بذلك وكلام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الجمع بين الأحاديث يقتضيه انتهى ولا يخفى أن الجمع بين الأحاديث يقتضيه انتهى ولا يخفى أن الجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها مطلقاً مما لا يتسنى وإنما يتسنى الجمع بذلك بين الأحاديث المتعارضة فيها بالنظر إلى العشر وقيل في الجمع مطلقاً إنها تنتقل وما صح من التعيين في الجملة أو على التحقيق محمول على ليلة قدر في شهر رمضان مخصوص بأن يكون قد علم صلى الله عليه وسلم أنها في أول شهر رمضان فرض ليلة كذا فقال عليه الصلاة والسلام هي ليلة كذا أي في هذا الشهر رمضان المخصوص وعلم عليه الصلاة والسلام أنها في شهر رمضان بعده ليلة كذا غير تلك الليلة التي ذكرها قبل فقال صلى الله عليه وسلم هي ليلة كذا وعلم صلى الله عليه وسلم أنها في آخر في العشر الأخير منه فقال هي في العشر الأخير أي من هذا الشهر المخصوص وهكذا وهو كما ترى وعلى القول بانتقالها ادعى بعضهم أنه إذا كان أول الشهر ليلة كذا فهي الليلة السابعة والعشرون وإن كانت ليلة كذا فهي الليلة الحادية والعشرون إلى آخر ما قال وقد ذكرناه مع نظمه في الطراز المذهب وليس في ذلك ما يقوم حجة على الغير وفي بعض الأخبار ذكر علامات لها ففي حديث الإمام أحمد والبيهقي وغيرهما عن عبادة بن الصامت من إماراتها أنها ليلة بلجة صافية ساكنة لا حارة ولا باردة كأن فيها قمراً ساطعاً لا يرمى فيها بنجم حتى الصباح وأخرج نحواً منه ابن جرير في تهذيبه وابن مردويه عن جابر بن عبد الله مرفوعاً وحمل ذلك إن صح على ليلة قدر من شهر رمضان مخصوص كالمتعين لعدم إطراده ولا أغلبيته فيما يظهر والحكمة في إخفائها أن يجتهد من يطلبها في العبادة في غيرها ليصادفها كأن يحيى ليالي شهر رمضان كلها كما كان دأب السلف وللإمام في هذا المقام كلام يجل مثله عن التكلم بمثله ولعمري لقدسها فيه سهواً بيناً وأتى فيه بما يوشك أن يدل على جهله ومعنى ليلة القدر ليلة التقدير وسميت بذلك لما روى عن ابن عباس وغيره أنه يقدر فيها ويقضي ما يكون في تلك السنة من مطر ورزق وأحياء وإماتة إلى السنة القابلة والمراد إظهار تقديره تعالى ذلك للملائكة عليهم السلام المأمورين بالحوادث الكونية وإلا فتقديره تعالى جميع الأشياء أزلي قبل خلق السموات والأرض لكن قال بعض الأجلة كون التقدير في هذه الليلة يشكل عليه قول كثير أنه ليلة النصف من شعبان وهي المراد بالليلة المباركة التي قال الله تعالى فيها فيها

‏{‏يفرق كل أمر حكيم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 4‏]‏ وأجاب بأن ههنا ثلاثة أشياء الأول نفس تقدير الأمور أي تعيين مقاديرها وأوقاتها وذلك في الأكل والثاني إظهار تلك المقادير للملائكة عليهم السلام بأن تكتب في اللوح المحفوظ وذلك في ليلة النصف من شعبان والثالث إثبات تلك المقادير في نسخ وتسليمها إلى أربابها من المدبرات فتدفع نسخة الأرزاق والنباتات والأمطار إلى ميكائيل عليه السلام ونسخة الحروب والرياح والجنود والزلازل والصواعق والخسف إلى جبريل عليه السلام ونسخة الأعمال إلى إسرافيل عليه السلام ونسخة المصائب إلى ملك الموت وذلك في ليلة القدر وقيل يقدر في ليلة النصف الآجال والأرزاق وفي ليلة القدر الأمور التي فيها الخير والبركة والسلامة وقلي يقدر في هذه ما يتعلق به إعزاز الدين وما فيه النفع العظيم للمسلمين وفي ليلة النصف يكتب أسماء من يموت ويسلم إلى ملك الموت والله تعالى أعلم بحقيقة الحال وقال الزهري المعنى ليلة العظمة والشرف من قولهم رجل له قدر عند فلان أي منزلة وشرف وسميت بذلك لأن من أتى بفعل الطاعات فيها صار ذا قدر وشرف عند الله عز وجل أو لأن الطاعات لها فيها ذلك وقيل لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر بواسطة ملك ذي قدر على رسول ذي قدر لأمة ذات قدر وقيل لأنه يتنزل فيها ملائكة ذوات قدر وقال الخليل بن أحمد المعنى ليلة الضيق من ‏{‏قدر عليه رزقه‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 7‏]‏ ضيق وسميت بذلك لأن الأرض تضيق فيها بالملائكة عليهم السلام وخيريتها من ألف شهر باعتبار العبادة عند الأكثرين على معنى أن العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر ولا يعلم مقدار خيريتها منها إلا هو سبحانه وتعالى وهذا تفضل منه تعالى وله عز وجل أن يخص ما شاء بما شاء ورب عمل قليل خير من عمل كثير ولا ينافي هذا قاعدة أن كل ما كثر وشق كان أفضل لخبر مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله تعالى عنها

‏"‏ أجرك على قدر نصبك ‏"‏ لأنها أغلبية على ما قال غير واحد ولا شك أن العمل القليل قد يفضل الكثير باعتبار الزمان وباعتبار المكان وباعتبار كيفية الأداء كصلاة واحدة أديبت بجماعة فإنها تعدل خمساً وعشرين مرة صلاة مثلها أديت على الانفراد إلى غير ذلك نعم هذه الأفضلية قد تعقل في بعض وقد لاكما فيما نحن فيه ولا حجر على الله عز وجل ولا يعلم ما عنده سبحانه إلا هو جل شأنه وتخصيص الألف بالذكر قيل إما للتكثير كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 96‏]‏ وكثيراً ما يراد بالاعداد ذلك وفي «البحر» حكاية أن المعنى عليه خير من الدهر كله أو لما أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في «سننه» عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من بني إسرائيل ليس السلاح في سبيل الله تعالى ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك وتقاصرت إليهم أعمالهم فانزل الله تعالى السورة وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن عروة قال ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله تعالى ثمانين عاماً لم يعصوه طرفة عين فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون فعجب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا محمد عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة فقد أنزل الله تعالى عليك خيراً من ذلك فقرأ عليه ‏{‏إِنَّا أنزلناه‏}‏ الخ ثم قال هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك منه فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل إن الرجل فيما مضى ما كان يقال له عابد حتى يعبد الله تعالى ألف شهر فأعطوا ليلة إن أحيوها كانوا أحق بأن يسموا عابدين من أولئك العباد وقال أبو بكر الوراق كان ملك كل من سليمان وذي القرنين خمسمائة شهر فجعل الله تعالى العمل في هذه الليلة لمن أدركها خيراً من ملكهما وفي هذا نظر لأن إن أريد بذي القرنين الأول فهو على القول به قد ملك أكثر من ذلك بكثير وإن أريد به الثاني أعني قاتل داراً فهو قد ملك أقل من ذلك بكثير وقيل أرى صلى الله عليه وسلم أعمار الأمم كافة فاستقصر أعمار أمته فخاف عليه الصلاة والسلام أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله تعالى ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم وذكره الإمام مالك في الموطأ وقد سمعت ما يدل على أن الألف إشارة إلى ملك بني أمية وكان على ما قال القاسم بن الفضل ألف شهر لا يزيد يوم ولا ينقص يوم على ما قيل ثمانين سنة وهي ألف شهر تقريباً لأنها ثلاثة وثمانون سنة وأربعة أشهر ولا يعكر عل ذلك ملكهم في جزيرة الأندلس بعد لأنه ملك يسير في بعض أطراف الأرض وآخر عمارة العرب ولذا لم يعد من ملك منهم هناك من خلفائهم وقالوا بانقراضهم بهلاك مروان الحمار وطعن القاضي عبد الجبار في كون الآية إشارة لما ذكر بأن أيام بني أمية كانت مذمومة أي باعتبار الغالب فيبعد أن يقال في شأن تلك الليلة أنها خير من ألف شهر مذمومة‏.‏

ألم تر أن السيف ينقص قدره *** إذا قيل إن السيف خير من العصا

وأجيب بأن تلك الأيام كانت عظيمة بحسب السعادات الدنيوية فلا يبعد أن يقول الله تعالى أعطيتك ليلة في السعادات الدينية أفضل من تلك في السعادات الدنيوية فلا تبقى فائدة واختلف في أن تلك الليلة تستتبع يومها أم لا فقال الشعبي نعم يومها مثلها وقيل لعل الوجه فيه إن ذكر الليالي يستتبع الأيام ومنه إذا نذر اعتكاف ليلتين لزمتاه بيوميهما والكثير لا لكن قيل يسن الاجتهاد في يومها كما يسن فيها ولذا جاء في وصفها أن الشمس تطلع صبيحتها وليس لها شعاع كما تقدم أي لعظم أنوار الملائكة الصاعدين والنازلي فيها فإنه لا فائدة فيه سوى معرفة يومها ولا فائدة فيها لو لم يسن الاجتهاد فيه ومنع بأنه يجوز أن تكون الفائدة معرفتها نفسها ليجتهد فيها من قابل بناء على أنها لا تنتقل وظاهر الآية أنها أفضل من ليلة الجمعة والمسألة خلافية وأكثر الأئمة على أنها أفضل منها للآية ولأن الله تعالى أنزل فيها القرآن وهو هو ولم ينزله في غيرها ولأنه سبحانه أمر بطلبها فعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 187‏]‏ ليلة القدر ولأنه عز وجل جعلها ليلة الفرق والحكم فقال جل شأنه ‏{‏فيها يفرق كل أمر حكيم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 4‏]‏ وسماها جل وعلا ليلة القدر أي التقدير ولما روى عن كعب أنه قال إن الله تعالى اختار الساعات فاختار ساعات أوقات الصلاة واختار الأيام فاختار يوم الجمعة واختار الشهور فاختار شهر رمضان واختار الليالي فاختار ليلة القدر فهي أفضل ليلة في أفضل شهر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل فيها فقد صح «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» وفي رواية «وما تأخر» ونهى عليه الصلاة والسلام أن يخص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام ولأنه سبحانه وتعالى أخفاها ولم يعينها كما أخفى سبحانه أعظم أسمائه عز وجل وكما أخفى جل شأنه أفضل الصلوات وهي الصلاة الوسطى إلى غير ذلك وذهب أكثر الحنابلة كأبي الحسن الجزري وعبد الله بن بطة وأبي حفص البرمكي وغيرهم إلى أن ليلة الجمعة أفضل لما أخرج مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏يغفر الله تعالى ليلة الجمعة لأهل الإسلام أجمعين‏"‏ وهذه فضيلة لم تجيء لغيرها ونحوه ما روى عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ما من ليلة جمعة إلا وينظر الله تعالى إلى خلقه ثلاث مرات فيغفر لمن لا يشرك بالله تعالى شيئاً‏"‏ ولأنه روى ابن بشكوال في كتابه القربة إلى رب العالمين بسنده إلى عمر رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ اكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر ليلة الجمعة ويوم الجمعة ‏"‏ والغرة من الشيء خياره ولأنه قد روى كثيرون منهم الإمام أحمد أن يومها سيد الأيام وأعظمها وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الأضحى وصحح ابن حبان خبر لا تطلع الشمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة فهي لذلك سيدة الليالي وأعظمها وأفضلها ولأنها معينة مشهودة يشهدها الخاص والعام من ذكر وأنثى وصغير وكبير وبصير وضرير وتصل بركتها إلى الأحياء والأموات وليلة القدر غير معينة فلا ينتفع بها إلا قليل إلى غير ذلك وأجاب هؤلاء عن الآية بأنه لما أريد فيها أنها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر كما قال قتادة وغيره فليرد أيضاً أنها خير من ألف شهر ليس فيها ليلة جمعة ويدل للأمرين أن أكثر أسباب النزول السابقة تدل على أن المراد بالشهور شهور من تقدمنا وهي ليس فيها ليلة قدر ولا ليلة جمعة وعن سائر المستندات بأن بعضها معارض وبعضها لا يدل على أكثر من فضلها وهو ما لم ينكره أحد والأولون أجابوا عن مستنداتهم بنحو ما أجابوا وللتعارض قال أحمد بن الحسين بن يعقوب بن قاسم المقري من الحنابلة أن القولين في المسألة قولان شائعان بين الأصحاب ولكل دلائل تدل على صوابيته فلا ينبغي لأحد أن يطلق الخطا على قائل كل منهما وأنت بعد التأمل في أدلة الطرفين والوقوف على أحوالها يتعين عندك أفضلية ليلة القدر وتعين ليلة الجمعة وههنا قول متوسط بين القولين حكى القاضي أبو يعلى أن أبا الحسن التميمي من الحنابلة أيضاً كان يقول ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن أفضل من ليلة الجمعة لما حصل فيها من الخير الكثير الذي لم يحصل في غيرها فأما أمثالها من ليالي القدر فليلة الجمعة أفضل منها وقيل نظيره في ليلة المعراج مع ليلة الجمعة ونحوها ثم إن ظاهر كلام بعض الحنفية كصاحب الجوهرة أن ليلة النحر أفضل من ليلة القدر وسائر ليالي السنة ويرد عليه ظاهر الآية أيضاً ولعله يجيب بنحو ما سبق آنفاً ونقل الطحطاوي عليه الرحمة في «حواشي الدر المختار» عن بعض الشافعية أن أفضل الليالي ليلة مولده عليه الصلاة والسلام ثم ليلة القدر ثم ليلة الإسراء والمعراج ثم ليلة عرفة ثم ليلة الجمعة ثم ليلة النصف من شعبان ثم ليلة العيد وأنا لا أرى أن له ما يعول عليه في ذلك والله تعالى أعلم وما أشير إليه من كونها من خصائص هذه الأمة هو الذي يقتضيه أكثر الأخبار الواردة في سبب النزول وصرح به الهيثمي وغيره وقال القسطلاني أنه معترض بحديث أبي ذر عند النسائي حيث قال فيه يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال بل هي باقية ثم ذكر أن عمدة القائلين بذلك الخبر الذي قدمناه في سبب النزول من رؤيته صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم وتعقبه بقوله هذا محتمل للتأويل فلا يدفع الصريح في حديث أبي ذر كما قاله الحافظان ابن كثير في «تفسيره» وابن حجر في فتح الباري انتهى والحق الأول والصراحة في حيز المنع وقد أخرج الديلمي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ إن الله تعالى وهب لأمتي ليلة القدر لم يعطها من كان قبلهم ‏"‏ فتأمل ولا تغفل وقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ‏(‏4‏)‏‏}‏

‏{‏تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا‏}‏ استئناف مبين لمناط فضلها على تلك المدة المديدة فضمير فيها لليلة وزعم بعضهم أن الجملة صفة لألف شهر والضمير لها وليس بشيء وجوز بعضهم كون الضمير للملائكة على أن الروح مبتدأ لا معطوف على الملائكة وفيها خبره لا متعلق بتنزل والجملة حال من الملائكة وهو خلاف الظاهر والروح عند الجمهور هو جبريل عليه السلام وخص بالذكر لزيادة شرفه مع أنه النازل بالذكر وقيل ملك عظيم لو التقم السموات والأرض كان ذلك له لقمة واحدة وذكر في التيسير من وصفه ما يبهر العقول والله تعالى أعلم بصحة الخبر وقال كعب ومقاتل الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة كالزهاد الذين لا تراهم إلا يوم العيد أو الجمعة وقيل حفظة على الملائكة كالملائكة الحفظة علينا وقيل خلق من خلق الله تعالى يأكلون ويلبسون ليسوا من الملائكة ولا من الانس ‏{‏ويخلق ما لا تعلمون‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 8‏]‏ ‏{‏وما يعلم جنود ربك إلا هو‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 31‏]‏ ولعلهم على ما قيل خدم أهل الجنة وقيل هو عيسى عليه السلام ينزل لمطالعة هذه الأمة وليزور النبي صلى الله عليه وسلم وقيل أرواح المؤمنين ينزلون لزيارة أهليهم وقيل الرحمة كما قرىء ‏{‏لا تيأسوا من روح الله‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 78‏]‏ بالضم وعلى الأول المعول والظاهر الذي تشهد له الأخبار أن التنزل إلى الأرض فقيل إن ذلك لما ذكر الله تعالى بعد وسيأتي إن شاء الله تعالى لكلام فيه وقيل ينزلون إليها للتسليم على المؤمنين وقيل لأن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاستغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إليها لتصير طاعاتهم أكثر ثواباً كما أن الرجل منا يذهب إلى مكة لتصير طاعته كذلك فيكون المقصود من الأخبار بذلك ترغيب الإنسان في الطاعة وقال عصام الدين يحتمل أن يكون تنزلهم لإدراكها إذ ليس في السماء ليل والجملة حينئذ مقررة لما سبق لا مبينة لمناط الفضل وفيه نظر لا يخفى وقيل غير ذلك مما سنشير إليه إن شاء الله تعالى وقيل المراد تنزلهم إلى السماء الدنيا وهو خلاف المتبادر وأنزل منه بكثير كون المراد بتنزلهم تنزلهم عن مراتبهم العلية من الاشتغال بالله تعالى والاستغراق بمطالعة جلاله عز وجل ليسلموا على المؤمنين واستظهر أن المراد بالملائكة عليهم السلام جميعهم واستشكل بأن لهم كثرة عظيمة لا تتحملها الأرض وكذا السماء الدنيا لأنها قبل نزولهم مملوءة اطت السماء وحق لها أن تتطء ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم وأجيب بأنهم ينزلون فوجاً فوجاً فمن نازل وصاعد كالحجاج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة مثلاً بأسرهم لكن لا على وجه الاجتماع بل هم بين داخل وخارج وفي التعبير بتنزل المفيد للتدريج دون نزل رمز إليه وقيل إنهم لكونهم أنواراً لا تزاحم بينهم فالنور إذا ملأ حجرة مثلاً لا يمنع من إدخال ألف نور عليه وهو كما ترى ومن الناس من خص الملائكة ببعض فرقهم وهم سكان سدرة المنتهى أو بعض منهم وفي الغنية للقطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال إذا كان ليلة القدر يأمر الله تعالى جبريل عليه السلام أن ينزل إلى الأرض ومعه سكان سدرة المنتهى سبعون ألف ملك ومعهم الوية من نور فإذا هبطوا إلى الأرض ركز جبريل عليه السلام لواءه والملائكة عليهم السلام ألويتهم في أربعة مواطن عند الكعبة وقبر النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد بيت المقدس ومسجد طور سيناء ثم يقول جبريل عليه السلام تفرقوا فيتفرقون ولا يبقى دار ولا حجر ولا بيت ولا سفينة فيها مؤمن أو مؤمنة إلا دخلته الملائكة عليهم السلام إلا بيتاً فيه كلب أو خنزير أو خمر أو جنب من حرام أو صورة تماثيل فيسبحون ويقدسون ويهللون ويستغفرون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان وقت الفجر ثم يصعدون إلى السماء فيستقبلهم سكان سماء الدنيا فيقولون لهم من أين أقبلتم فيقولون كنا في الدنيا لأن الليلة لية القدر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول سكان السماء الدنيا ما فعل الله تعالى بحوائج أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول جبريل عليه السلام أن الله تعالى غفر لصالحهم وشفعهم في طالحهم فترفع ملائكة سماء الدنيا أصواتهم بالتسبيح والتقديس والثناء على رب العالمين شكراً لما أعطى الله تعالى هذه الأمة من المغفرة والرضوان ثم تشيعهم ملائكة السماء الدنيا إلى الثانية كذلك وهكذا إلى السابعة ثم يقول جبريل عليه السلام يا سكان السموات ارجعوا فيرجع ملائكة كل سماء إلى مواضعهم فإذا وصلوا إلى سدرة المنتهى يقول لهم سكانها أين كنتم فيجيبونهم مثل ما أجابوا أهل السموات فيرفع سكان سدرة المنتهى أصواتهم بالتسبيح والتهليل والثناء فتسمع جنة المأوى ثم جنة النعيم وجنة عدن والفردوس ويسمع عشر الرحمن فيرفع العرش صوته بالتسبيح والتهليل والثناء على رب العالمين شكراً لما أعطى هذه الأمة ويقول إلهي بلغني عنك إنك غفرت البارحة لصالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم وشفعت صالحها في طالحها فيقول الله عز وجل‏:‏ ‏{‏صَدَّقْتَ‏}‏ ولأمة محمد عليه الصلاة والسلام عندي من الكرامة ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وفي رواية عن كعب نزول جميع ملائكة سدة المنتهى مع جبريل عليهم السلام ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى وأن جبريل عليه السلام لا يدع أحداً من الناس إلا صافحه وفي رواية لا يدع مؤمناً ولا مؤمنة إلا سلم عليه إلا مد من الخمر وآكل لحم الخنزير والمتضمخ بالزعفران وأن علامة مصافحته عليه السلام اقشعرار الجلد ورقة القلب ودمع العينين وروى في نزوله مع الملائكة عليهم السلام وعروجه معهم غير ذلك وقد ذكر بعضاً من ذلك الإمام وغيره ونسأل الله تعالى صحة الأخبار وذكر بعضهم أن جبريل عليه السلام يقسم تلك الليلة ما ينزل من رحمة الله تعالى حتى يستغرق أحياء المؤمنين فيقول يا رب بقي من الرحمة كثيراً فما أصنع به فيقول الله عز وجل قسم على أموات أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقسم حتى يستغرقهم فيقول يا رب بقي من الرحمة كثير فما أصنع به فيقول سبحانه وتعالى‏:‏ ‏{‏أَشِدَّاء عَلَى الكفار‏}‏ فيقسمه عليهم فمن أصابه منهم شيء من تلك الرحمة مات على الايمان ‏{‏بِإِذْنِ رَبّهِمْ‏}‏ متعلق بتنزل أو بمحذوف هو حال من فاعله أي ملتبسين بإذن ربهم أي بأمره عز وجل والتقييد بذلك لتعظيم أمر تنزلهم وقيل الإشارة إلى أنهم يرغبون في أهل الأرض من المؤمنين ويشتاقون إليهم فيستأذنون فيؤذن لهم وفيه نوع ترغيب في الاجتهاد في الطاعة واستشكل أمر هذه الرغبة مع كثرة المعاصي وأجيب بأنهم غير واقفين على تفاصيلها أو لم يعتبروها مانعة من ذلك لأنهم يرون من أنواع الطاعات ما لا يرونه في السماء أو ليسمعوا أنين العصاة التائبين ففي

«الحديث القدسي لأنين المذنبين أحب إلى من زجل المسبحين» أو ليجتمعوا مع من بينه وبينهم مناسبة من الصديقين أداء لمراسم المحبة فإن أرواح الصديقين المتجردة عن جلابيب الأبدان لم تزل تزور الملائكة عليهم السلام في مواضعهم بعروجها إليهم فناسب أن تزورهم الملائكة عليهم السلام في زواياهم وإن اقتضى ذلك الاجتماع مع غيرهم ممن ليسوا كذلك فإنه أمر تبعي‏.‏

ولأجل عين ألف عين تكرم *** ‏{‏مّن كُلّ أَمْرٍ‏}‏ أي من أجل كل أمر تعلق به التقدير في تلك السنة إلى قابل وأظهره سبحانه وتعالى لهم قاله غي واحد من بمعنى اللام التعليلية متعلقة بتنزل قال عصام الدين فإن قلت المقدرات لا تفعل في تلك الليلة بل في تمام السنة فلماذا تنزل الملائكة عليهم السلام فيها لأجل تلك الأمور قلت لعل تنزلهم لتعيين انفاذ تلك الأمور لهم وتنزلهم لأجل كل أمر ليس على معنى تنزل كل واحد لأجل كل أمر ولا تنزل كل واحد لأمر بل على معنى تنزل الجميع لأجل جميع الأمور حتى يكون في الكلام تقسيم العلل على المعلولات انتهى وأقول يمكن أن يكون تنزلهم لإعداد القوابل لقبول ما أمروا به وأشار بما ذكره من التقسيم إلى أنه يجوز أن يكون نزول الواحد منهم لعدة أمور وقولهم ‏{‏مِنْ أَجْلِ كُلّ أَمْرٍ‏}‏ الخ قد تقدم ما فيه من البحث فتذكر وقال أبو حاتم من بمعنى الباء أي تنزل بكل أمر فقيل أي من الخير والبركة وقيل من الخير والشر وجعلت الباء عليه للسببية فيرجع المعنى إلى نحو ما مر ومنهم من جعلها للملابسة والمراد بملابستهم له ملابستهم للأمر به فكأنه قيل تنزل الملائكة وهم مأمورون بكل أمر يكون في السنة وكونهم يتنزلون وهم كذلك يستدعي فعلهم جميع ما أمروا به في تلك الليلة والظاهر على ما قالوا أن المراد بالملائكة المدبرات إذ يرهم لا تعلق له في الأمور التي تعلق بها التقدير ليتنزلوا لأجلها على المعنى السابق وهو خلاف ما تدل عليه الآثار من عدم اختصاصهم بالمدبرات فتدبر وكأنه لذلك قيل إن من كل أمر متعلق بقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏5‏]‏

‏{‏سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ‏(‏5‏)‏‏}‏

‏{‏فِيهَا سلام‏}‏ وهو مصدر بمعنى السلامة خبر مقدم وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هِىَ‏}‏ مبتدأ أي هي سلام من كل أمر مخوف وتعلقه بذلك على التوسع في الظرف وإلا فمعمول المصدر لا يتقدم عليه في المشهور وقيل هو متعلق بمحذوف مقدم يفسره المذكور ومن وقف على كلام العلامة التفتازاني في أوائل شرح التلخيص في مثل ذلك استغنى عما ذكر وقيل ‏{‏من كل أمر‏}‏ ‏[‏القدرة‏:‏ 4‏]‏ متعلق بتنزل لكن على معنى تنزل إلى الأرض منفصلة من كل أمر لها في السماء وتاركة له وفيه إشارة إلى مزيد الاهتمام بالتنزل إلى الأرض وفيه من البعد ما فيه وتقديم الخبر للحصر كما في تميم أنا والإخبار بالمصدر للمبالغة أي ما هي إلا سالمة جداً حتى كأنها عين السلامة قال الضحاك في معنى ذلك أنه تعالى لا يقدر ولا يقضي فيها إلا السلامة قيل أي لا ينفذ تقديره تعالى ويتعلق قضاؤه إلا بذلك وحاصله لا يوجد إلا ذلك وقال مجاهد‏:‏ إنها سالمة من الشيطان وأذاه وروي أن الشيطان لا يخرج في ليلة القدر حتى يضىء فجرها ولا يستطيع أن يصيب فيها أحداً بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد ولا ينفذ فيها سحر ساحر ولعل ما يصدر من المعاصي على هذا من النفس الأمارة بالسوء لا بواسطة الشيطان واستشكل كلام الضحاك بناءً على ما قيل فيه بأنه لا تخلوا ليلة من الشر والأمر المخوف ولا موجد إلا الله عز وجل فلعله أراد ما تقدم نقله غير بعيد من أن الله تعالى إنما يقدر في هذه الليلة السلامة والخير أي لا يظهر سبحانه للملائكة عليهم السلام إلا تقديره عز وجل ذلك وقيل ما هي إلا سلامة على نحو ما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رحمة والمراد أنها سبب تام للسلامة والنجاة من المهالك يوم القيامة حيث إن من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه وقيل السلام مصدر بمعنى التسليم أي ما هي إلا تسليم لكثرة التسليم والمسلمين من الملائكة على المؤمنين فيها وروي ذلك عن الشعبي ومنصور وجعلها عين التسليم للمبالغة أيضاً وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى مَطْلَعِ الفجر‏}‏ غاية تبين تعميم السلامة أو التسليم كل الليلة فالجار متعلق بسلام ومطلع اسم زمان وقد صرحوا أنه من يفعل ويفعل بفتح العين وضمها على مفعل مفتوح العين وجوز كونه مصدراً ميمياً بمعنى الطلوع ويحتاج إلى تقدير مضاف قبله هو وقت أو ما في معناه لتتحد الغاية والمغيا فيكونان من جنس واحد وصح تعلق الجار بذلك مع الفصل لأنه ليس بمصدر نظراً للحقيقة وأفاد الطبرسي وغيره أنه لا بد من تأويله بسالمة أو مسلمة ليصح التعلق أما لو أبقى على مصدريته فلا يصح للزوم الفصل بين الصلة والموصول وذهب بعضهم إلى أن الفصل بين المصدر ومعموله بالمبتدأ مغتفر وجوز أن تتعلق الغاية بتنزل على معنى أنه لا ينقطع تنزلهم فوجاً بعد فوج إلى وقت طلوع الفجر وتعقب بأنه تعسف لأن سلام هي أجنبي وليس باعتراض فلا يحسن الفصل به وجعله حالاً من الضمير المجرور في قوله تعالى ‏{‏فيها‏}‏ أي ذات سلامة أو سلام لا يخفى حاله وقيل يجوز أن يكون الوقف على سلام وهو خبر لمحذوف و

‏{‏من كل أمر‏}‏ ‏[‏القدر‏:‏ 4‏]‏ متعلق به وهي مبتدأ وحتى مطلع الفجر خبره ولم يجوز ذلك الطيبي والطبرسي وغيرهما قالوا لعدم الفائدة بالإخبار عنها بأنها حتى مطلع الفجر إذ كل ليلة بهذه الصفة وأجيب بأنه لما أخبر عنها بأنها خير من ألف شهر وفهم أنها مخالفة لسائر الليالي في الصفة وكان ذلك مظنة توهم أن ذاتها في المقدار مغايرة لذوات الليالي فيه أيضاً دفع ذلك بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هِىَ حتى مَطْلَعِ الفجر‏}‏ أي لم تخالف سائر الليالي في ذلك وإن خالفتها في الفضل والخيرية وقرأ ابن عباس وعكرمة والكلبي من كل امرىء بهمز في آخره أي تنزل من أجل كل إنسان أي من أجل ما يتعلق به مما قدر في تلك الليلة ويرجع إلى نحو ما تقدم أو من أجل مصلحته من الاستغفار له ونحوه على أن المراد بذلك كل امرىء مؤمن على ما قيل وقيل الجار متعلق بسلام والمراد بكل امرىء الملائكة عليهم السلام أي سلام وتحية هي على المؤمنين من كل ملك وأنكر كما قال ابن جني هذه القراءة أبو حاتم وقرأ أبو رجاء والأعمش وابن وثاب وطلحة وابن محيصن والكسائي وأبو عمرو بخلاف عنه مطلع بكسر اللام على أنه مصدر كالمرجع ويقدر مضاف كما سمعت أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق فإن مفعلاً بالكسر قياس يفعل مكسور العين وفي «البحر» قيل مطلع ومطلع بالفتح والكسر مصدران في لغة تميم وقيل المصدر بالفتح وموضع الطلوع بالكسر عند أهل الحجاز انتهى وإرادة الموضع ههنا لا موضع لها كما لا يخفى هذا واعلم أنه يسن الدعاء في هذه الليلة المباركة وهي أحد أوقات الإجابة وأخرج الإمام أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قلت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أقول قال ‏"‏ قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ‏"‏ ويجتهد فيها بأنواع العبادات من صلاة وغيرها وقال سفيان الثوري الدعاء في تلك الليلة أحب من الصلاة ثم أفاد أنه إذا قرأ أو دعا كان حسناً وكان صلى الله عليه وسلم يجتهد في ليالي شهر رمضان ويقرأ فيها قراءة مرتلة لا يمر بآية رحمة إلا سأل ولا بآية عذاب إلا تعوذ وذكر ابن رجب أن الأكمل الجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر وقد كان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك كله لا سيما في العشر الأواخر ويحصل قيامها على ما قال البعض بصلاة التراويح وأخرج البيهقي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

‏"‏ من صلى المغرب وعشاءل في جماعة حتى ينقضي شهر رمضان فقد أصاب من ليلة القدر بحظ وافر ‏"‏ وأخرج مالك وابن أبي شيبة وابن زنجويه والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال من شهد العشاء ليلة القدر في جماعة فقد أخذ بحظه منها وفي تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي عليه الرحمة يسن لرائيها كتمها ولا ينال فضلها أي كماله إلا من أطلعه الله تعالى عليها انتهى والظاهر أنه عنى برؤيتها رؤية ما يحصل به العلم له بها مما خصت به من الأنوار وتنزل الملائكة عليهم السلام أو نحواً من الكشف المفيد للعلم مما لا يعرف حقيقته إلا أهله وهو كالنص في أنها يراها من شاء الله تعالى من عباده وقال أبو حفص بن شاهين على ما حكاه ابن رجب أن الله تعالى لم يكشفها لأحد من الأولين والآخرين ولا النبيين والمرسلين في يوم ولا ليلة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه لما أنزلها عليه وعرفه قدرها أراه عليه الصلاة والسلام إياها في منامه وعرفه في أي ليلة تكون فأصبح عالماً بها وأراد أن يخبر بها الناس لسروره فتلاحى بين يديه رجلان فأنسيها صلى الله عليه وسلم أصلاً فأمروا بذلك ليلتمس فضلها في الليالي المسماة انتهى وحديث أنه صلى الله عليه وسلم رآها ونسيها قد رواه الإمام مالك والإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم وهو مما لا تردد في صحته لكن في دلالته على أنه لم يعلم عليه الصلاة والسلام بها ولم يرها بعد ولا يراها أحد من أمته صلى الله عليه وسلم أبداً تردداً ولعل الأمر بالتماسه في العشر الأواخر مثلاً يشير إلى رجاء رؤيتها فيها إذ ما لا يرجى في زمان أو مكان لا يحسن أن يؤمر أحد بالتماسها فيه عادة وفي بعض الأخبار ما يدل على أن رؤيتها مناماً وقعت لغيره صلى الله عليه وسلم ففي «صحيح مسلم» وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر ‏"‏ وحكي نحو قول ابن شاهين عن غيره أيضاً وغلط ففي «شرح الصحيح» للنووي اعلم أن ليلة القدر موجودة وأنها ترى ويتحققها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان كما تظاهرت عليه الأحاديث وأخبار الصالحين بها ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصى وأما قول القاضي عياض عن المهلب بن أبي صفرة لا يمكن رؤيتها حقيقة فغلط فاحش نبهت عليه لئلا يغتر به انتهى بقي في الكلام على هذه الليلة بحث مهم وهو أنه على قول المعتبرين لاختلاف المطالع يلزم القول بتعددها في رمضان وكونها وتراً من لياليه عند قوم وشفعاً عند آخرين فلا يصح إطلاق القول بأحدهما وكذا لا يصح إطلاق القول بأنها ليلة كذا كليلة السابع والعشرين أو الحاديث والعشرين مثلاً من الشهر على ذلك أيضاً بل لا يصح إطلاق القول بأن وقت التقدير وتنزل الملائكة ليلة فالليلة عند قوم نهار في الجهة المسامتة لاقدامهم وهي قد تكون مسكونة ولو بواسطة سفينة تمر فيها وربما يكون زمان الليل عند قوم بعضه ليلاً وبعضه نهاراً عند آخرين كاهل بعض العروض البعيدة عن خط الاستواء بل قد تنقضي أشهر بليل ونهار على قوم ولم ينقض يوم واحد في بعض العروض بل لا يصح أيضاً إطلاق القول بأنها في رمضان وأنها الليلة الأولى أو الأخيرة منه إذ الشهر دخولاً وخروجاً مختلف بالنسبة إلى سكان البسيطة وأجاب بعض بالتزام أن ما أطلق من القول فيها ليس على إطلاقه فيكون القول بوتريتها بالنسبة إلى قوم وبشفعيتها بالنسبة إلى آخرين وهكذا القول بأنها ليلة كذا من الشهر وبالتزام أنها ليلة بالنسبة إلى قوم نهار بالنسبة إلى آخرين وأن التعبير بالليلة لرعاية مكان المنزل عليه القرآن عليه الصلاة والسلام وغالب المؤمنين به فإن ما هو سمت اقدامهم مما ليلهم نهاره لم يعمر بالمسلمين بل لا يكاد يعمر بهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها وقال‏:‏ إنها حيث كانت نهاراً عند قوم لا يبعد أن يعطي الله تعالى أجرها من اجتهد من غيرهم في ليلة ذلك النهار وأن يعطي سبحانه ذلك أيضاً من اجتهد منهم ليلاً وهي عندهم نهار وعلى نحو هذا يقال في الصور التي ذكرت في البحث وأدعى أن هذا نوع من الجمع بين الأحاديث المتعارضة وأن في قولهم يسن الاجتهاد في يومها رمز إما لشيء من ذلك وهو كما ترى وأجاب آخر بما يستحي القلم من ذكره ويرى تركه هو الحري بقدره وسمعت من بعض أحبابي أن الشيخ إسماعيل العجلوني عليه الرحمة تعرض فيما شرح من «صحيح البخاري» لشيء من هذا البحث والجواب عنه ولم أقف عليه وعندي أن البحث قوي والأمر مما لا مجال لعقلي فيه ومثل ليلة القدر فيما ذكر وقت نزوله سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا من الليل كما صحت به الأخبار وكذا ساعة الإجابة من يوم الجمعة إلى أمثال أخر وللشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى كلام طويل في الأول لم يحضرني منه الآن ما يروي الغليل ولغيره كابن حجر كلام مختصر في الثاني وهو مشهور وربما يقال أنها لكل قوم ليلتهم وإن اختلفت دخولاً وخروجاً بالنسبة إلى آفاقهم كسائر لياليهم فتدخل الليلة مطلقاً في بغداد مثلاً عند غروب الشمس فيها وبعد نصف ساعة منه تدخل في إسلامبول مثلاً وذلك أول وقت الغروب فيها وهكذا والخروج على عكس ذلك فكان الليلة راكب يسير إلى جهة فيصل إلى كل منزل في وقت ويلتزم أن تنزل الملائكة حسب سيرها ولا يبعد أن يتنزل عند كل قوم ما شاء الله تعالى منهم عند أول دخولها عندهم ويعرجون عند مطلع فجرها عندهم أيضاً أو يبقى المتنزل منهم هناك إلى أن تنقضي الليلة في جميع المعمورة فيعرجون معاً عند انقضائها ويلتزم القول بتعدد التقدير حسب السير أيضاً بأن يقدر الله تعالى في أي جزء شاء سبحانه منها بالنسبة إلى من هي عندهم أموراً تتعلق بهم ومناط الفضل لكل قوم تحققها بالنسبة إليهم وقيامهم فيها ومثل هذه الليلة فيما ذكر سائر أوقات العبادة كوقت الظهر والعصر وغيرهما وهذا غاية ما يخطر بالبال فيما يتعلق بهذا الإشكار وأمر ما يعكر عليه من أخبار الآحاد سهل على أن الكثير منها في صحته مقال فتأمل في ذاك والله عز وجل يتولى هداك ثم إن ليلة القدر عند السادة الصوفية ليلة يختص فيها السالك بتجل خاص يعرف به قدره ورتبته بالنسبة إلى محبوبه وهي وقت ابتداء وصول السالك إلى عين الجمع ومقام البالغين في المعرفة وما ألطف قول الشيخ عمر بن الفارض قدس سره‏:‏ وكل الليالي ليلة القدر إن دنت *** كما كل أيام اللقا يوم جمعة

هذا والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل‏.‏

‏[‏سورة البينة‏]‏

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب‏}‏ أي اليهود والنصارى وإيرادهم بذلك العنوان قيل لإعظام شناعة كفرهم وقيل للإشعار بعلة ما نسب إليهم من الوعد باتباع الحق فإن مناط ذلك وجدانهم له في كتابهم وهو مبني على وجه يأتي إن شاء الله تعالى في الآية بعد وإيراد الصلة فعلاً لما أن كفرهم حادث بعد أنبيائهم عليهم السلام بالآحاد في صفات الله عز وجل ومن للتبعيض كما قال علم الهدى الشيخ أبو منصور الماتريدي في التأويلات لا للتبيين لأن منهم من لم يكفر بعد نبيه وكان على الاعتقاد الحق حتى توفاه الله تعالى وعد من ذلك الملكانية من النصارى فقيل أنهم كانوا على الحق قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث والظاهر خلافه وأيد إرادة التبعيض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن المراد بأهل الكتاب اليهود الذين كانوا بأطراف المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع وقال بعض لا نسلم أن التبيين يقتضي كفر جميعهم قبل البعث لجواز أن يكون التعبير عنهم بالذين كفروا باعتبار حالهم بعد البعثة كأنه قيل لم يكن هؤلاء الكفرة وبينوا بأهل الكتاب ‏{‏والمشركين‏}‏ وهم من اعتقدوا لله سبحانه شريكاً صنماً أو غيره وخصهم بعض بعبدة الأصنام لأن مشركي العرب الذين بمكة والمدينة وما حولهما كانوا كذلك وهم المقصودون هنا على ما روي عن الحبر وأياً ما كان فالعطف على أهل الكتاب ولا يلزم على التبعيض أن لا يكون بعضهم كافرين ليجب العدول عنه للتبيين لأنهم بعض من المجموع كما أفاده بعض الأجلة واحتمال أن يراد بالمشركين أهل الكتاب وشركهم لقولهم المسيح ابن الله وعزير ابن الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً والعطف لمغايرة العنوان ليس بشيء وقرىء والمشركون بالرفع عطفاً على الموصول وحمل قراءة الجمهور على ذلك واعتبار أن الجر للجوار لا يخفى حاله والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير كفروا وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مُنفَكّينَ‏}‏ خبر يكن والانفكاك في الأصل افتراق الأمور الملتحمة بنوع مزايلة وأريد به المفارقة لما كانوا عليه مما ستعرفه إن شاء الله تعالى فالوصف اسم فاعل من انفك التامة دون الناقصة الداخلة على المبتدأ والخبر وزعم بعض النحاة أنه وصف منها والخبر محذوف أي واعدين اتباع الحق أو نحوه وتعقب مع كونه خلاف الظاهر بأن خبر كان وأخواتها لا يجوز حذفه في السعة لا اقتصاراً ولا اختصاراً وحين ليس مجير أي في الدنيا ضرورة وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى تَأْتِيَهُمُ البينة‏}‏ متعلق بمنفكين والبينة صفة بمعنى اسم الفاعل أي المبين للحق أو هي بمعناها المعروف وهو الحجة المثبتة للمدعي ويراد بها المعجز وعلى الوجهين فقوله تعالى‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ‏(‏2‏)‏‏}‏

‏{‏رَّسُولٍ‏}‏ بدل منها بدل كل من كل أو خبر لمقدر أي هي رسول وتنوينه للتفخيم والمراد به نبينا صلى الله عليه وسلم وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مِنَ الله‏}‏ في موضع الصفة له مفيد للفخامة ازضافية فهو مؤكد لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً‏}‏ صفة أخرى له أو حال من الضمير في صفته الأولى كما أن قوله سبحانه‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ‏(‏3‏)‏‏}‏

‏{‏فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ‏}‏ صفة ثانية لصحفاً أو حال من الضمير في صفتها الأولى أعني ‏{‏مطهرة‏}‏ ويجوز أن يكون الصفة أو الحال هنا الجار والمجرور فقط وكتب مرتفعاً على الفاعلية وإطلاق البينة عليه عليه الصلاة والسلام على المعنى الأول ظاهر وعلى المعنى الأخير باعتبار أن أخلاقه وصفاته صلى الله عليه وسلم كانت بالغة حد الإعجاز كما قال الغزالي في «المنقذ من الضلال» وأشار إليه البوصيري بقوله‏:‏ كفاك بالعلم في الأمي معجزة *** في الجاهلية والتأديب في اليتم

ويعلم منه حكمة جعله عليه الصلاة والسلام يتيماً أو باعتبار كثرة معجزاته صلى الله عليه وسلم غير ما ذكر وظهورها وجوز أن يراد بالبينة القرآن لأنه مبين للحق أو معجز مثبت للمدعي وروي ذلك عن قتادة وابن زيد و‏{‏رسول‏}‏ عليه قيل بدل اشتمال أو بدل كل من كل أيضاً بتقدير مضاف أي بينة أو وحي أو معجز أو كتاب رسول أو هو خبر مبتدأ مقدر أي هي رسول ويقدر معه مضاف كما سمعت وجوز أن يكون رسول مبتدأ لوصفه وخبره جملة ‏{‏يَتْلُواْ‏}‏ الخ وجملة المبتدأ وخبره مفسرة للبينة وقيل اعتراض لمدحها وقيل صفة لها مراداً بها القرآن ويراد بالصحف المطهرة البينة وقد وضعت موضع ضميرها فكانت الرابط وقرأ أبي وعبد الله رسولاً بالنصب على الحالية من البينة والصحف جمع صحيفة وكذا الصحاف القراطيس التي يكتب فيها وأصلها المبسوط من الشيء والمراد بتطهيرها تنزيهها عن الباطل على سبيل الاستعارة المصرحة ويجوز أن يكون في الكلام استعارة مكنية أو تطهير من يمسها على التجوز في النسبة فكأنه قيل صحفاً لا يمسها إلا المطهرون والمراد بالكتب المكتوبات وبالقيمة المستقيمة واستقامتها نطقها بالحق وفي التيسير هي كتب الأنبياء عليهم السلام والقرآن مصدق لها فكأنها فيه ووصفه عليه الصلاة والسلام بتلاوة الصحف المذكورة بناءً على المشهور من أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يقرأ الكتاب كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتب من باب التجوز في النسبة إلى المفعول لأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ ما فيها فكأنه قرأها وقيل على تقدير مضاف أي مثل صحف وقيل في ضمير يتلو استعارة مكنية بتشبيهه عليه الصلاة والسلام لتلاوته مثل ما فيها بتاليها أو الصحف مجاز عما فيها بعلاقة الحلول ففي ضمير فيها استخدام لعوده على الصحف بالمعنى الحقيقي وقيل المراد بالرسول جبريل عليه السلام وبالصحف صحف الملائكة عليهم السلام المنتسخة من اللوح المحفوظ وبتطهيرها ما سبق والمراد بتلاوته عليه الصلاة والسلام إياها ظاهر وجعلها مجازاً عن وحيه إياها غير وجيه والأولى حمل الرسول على النبي صلى الله عليه وسلم وهو المروى عن ابن عباس ومقاتل وغيرهما وقد اختلفوا في المعنى المراد بالآية اختلافاً كثيراً حتى قال الواحدي في كتاب البسيط أنها من أصعب ما في القرآن نظماً وتفسيراً وبين ذلك بناءً على أن الكفر وصف لكل من الفريقين قبل البعثة بأن الظاهر أن المعنى لم يكن الذين كفروا من الفريقين منفكين عما هم عليه من الكفر حتى يأتيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى لانتهاء الغاية فتقتضي أنهم انفكوا عن كفرهم عند إتيان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الواقع ويناقضه قوله تعالى‏:‏